حرب إسرائيل على لبنان ٢٠٢٦
المصادر المشمولة
منهجية التحليل
اختارت الدراسة عشرين قصة إعلامية مترابطة غطت الفترة من 1 مارس إلى 30 أبريل 2026، تركزت على الصراع الإسرائيلي اللبناني بالتركيز على العمليات العسكرية والغارات الجوية في جنوب لبنان وأثرها الإنساني والسياسي والدبلوماسي. شملت الدراسة سبع منافذ إعلامية رئيسية متنوعة الأيديولوجيات: ثلاث لبنانية (المنار، الجديد، لبنان 24 و LBC و النهار)، واثنتان خليجيتان (البيان الإماراتية والعربية السعودية)، وسعودية واحدة (عكاظ)، وإقليمية واثنتان (روسيا اليوم عربي والجزيرة نت)، بهدف تحليل كيفية تشكيل المنافذ المختلفة لسردية موحدة أو متباينة حول الأحداث ذاتها والكشف عن أنماط الإغفال والتأطير والاختيارات التحريرية الاستراتيجية.
السرد الإعلامي للصراع الإسرائيلي اللبناني: تشظٍّ في الروايات وانقسام في التأطيرات
عكست التغطية الإعلامية العربية للفترة من 1 مارس إلى 30 أبريل 2026 انقساماً حاداً في كيفية تأطير الأحداث العسكرية والدبلوماسية في جنوب لبنان. يمتدّ هذا الانقسام عبر ثلاث محاور رئيسية: الموقع الجغرافي والانتماء التحريري للمنفذ، والعلاقة بالمصادر الرسمية (الإسرائيلية واللبنانية)، وأخيراً درجة النقد والتساؤل حول صحة الأرقام والتصريحات. برزت وسائل إعلام لبنانية محلية كالمنار وLBC والنهار على أنها تقدم تغطيات تتباين جذرياً عن منافذ إماراتية وسعودية ودولية في نفس الأحداث، مما يكشف عن صراع حقيقي حول السيطرة على السردية الإعلامية للنزاع.
خطوط الانقسام الجوهرية: من الأرقام إلى الألفاظ
الفجوة الأولى: معالجة الأرقام والإحصاءات.
شهدت القصة الأولى (تباين الأهداف العسكرية المدمرة) تباعداً صارخاً: بينما اكتفت البيان بـ 40 هدفاً موقعاً، وصفت صحيفة عكاظ السعودية الأرقام إلى 1000 هدف، والنهار اللبنانية إلى 900 في بنت جبيل وحدها. لم تتجرأ منفذ واحدة على طرح سؤال نقدي حول صحة هذه الفجوة الهائلة (من 40 إلى 1000). ولبنان 24، والجديد، وروسيا اليوم اختارت نقل الأرقام الإسرائيلية بحرفية دون تمحيص، بينما اعتمدت لبنان 24 على أرقام مختلفة تماماً (شهيد واحد بدلاً من اثنين في حادثة جويا) دون توضيح السبب.
الفجوة الثانية: لغة المسؤولية والفاعلية.
تظهر الفروقات اللغوية الحادة بشكل متكرر: المنار تستخدم "جيش العدو" و"الطيران المعادي" و"العدو الإسرائيلي"، بينما تختار lbc والجديد ولبنان 24 صيغة محايدة تقنياً ("غارات إسرائيلية")، مما يعكس موقفاً سياسياً يتسلل إلى الخيارات المعجمية. في قصة إصابة جنديين إسرائيليين بطائرة مسيرة، رفضت lbc تحديد المسؤول ("طائرة مفخخة") بينما أسندتها المنار مباشرة لحزب الله. هذه الخيارات ليست حيادية تقنياً بل سياسية بجوهرها.
الفجوة الثالثة: التركيب الهرمي للمعلومات والسياق.
المدن أضافت سياقاً مؤسسياً (دور الجيش اللبناني في نزع السلاح)، بينما ركزت الجديد على الرسالة الدبلوماسية الخالصة. النهار دمجت السياق العسكري المستمر مع التصريحات الدبلوماسية، مما يكشف تناقضاً إسرائيلياً بين الكلام والفعل. العربية حاولت إظهار هذا التناقض عبر السياق الزمني، لكن بشكل ضمني وغير صارح. روسيا اليوم عربي اختارت التوثيق الرسمي دون نقد، مما يعزز الموثوقية الشكلية للبيان الإسرائيلي.
أنماط الاتساق والانقطاع: خرائط الانحياز
تكشف مقارنة المنافذ عن أربعة نماذج متمايزة:
- منافذ لبنانية محلية (المنار، النهار): متسقة في استخدام لغة مقاومة وسياق إنساني درامي، تركز على الضحايا والتفاصيل الميدانية، لكنها تتجاهل الأصوات الإسرائيلية البديلة.
- منافذ إماراتية وسعودية (البيان، عكاظ، العربية): تتراوح بين التحييد الشكلي والانحياز المضمّن نحو الرواية الإسرائيلية، مع تضخيم الأرقام الإسرائيلية دون سؤال.
- منافذ محلية حيادية (LBC، الجديد، لبنان 24): متسقة في محاولة الحياد الشكلي، لكنها تنقل الأرقام بتباين دون توضيح، مما يعكس إما تأخراً في التحديثات أو اعتماداً على مصادر مختلفة.
- منافذ دولية (روسيا اليوم، CNN، الجزيرة): تتنوع بين التوثيق المحايد والاستقصاء النقدي، لكن بدرجات متفاوتة من الوضوح والمباشرة.
الاتساق الحقيقي موجود فقط ضمن كل فئة. فلبنان 24 والجديد وLBC متسقة في محاولة الحياد، لكن بأرقام متباينة أحياناً. المنار والنهار متسقتان في الموقف السياسي. عكاظ والعربية متسقتان في التضخيم الضمني. هذا يشير إلى أن الانقسام ليس عشوائياً بل منظماً جغرافياً وسياسياً.
الإغفالات المنهجية: ما لم يُقل
الإغفال الأول: غياب الأصوات المتوازنة.
لم تُنشر منفذ واحدة حواراً متوازناً بين رواية إسرائيلية ورواية لبنانية حول نفس الحدث. المنار تتجاهل التصريحات الإسرائيلية المبررة، بينما البيان والعربية تتجاهل الردود اللبنانية. حتى LBC، التي تحاول الحياد، لا تقدم مقابل مباشر بين الطرفين.
الإغفال الثاني: تجاهل الانتهاكات القانونية الدولية.
لم تثر منفذ إعلامية واحدة سؤالاً واضحاً حول هل تشكل عمليات التدمير الشامل انتهاكات للقانون الدولي الإنساني. الجزيرة اقتربت من هذا، لكن بصيغة استقصائية غير مباشرة. الجميع اكتفت بالنقل الحرفي للأرقام دون تحليل قانوني.
الإغفال الثالث: غياب التحقق المستقل من الأرقام.
ليس منفذ واحدة حاولت التحقق الميداني من أرقام الأهداف المدمرة، أو عدد الضحايا، أو طول النفقين. الجميع اعتمدت على التصريحات الرسمية فقط، سواء الإسرائيلية أو اللبنانية الحكومية.
الإغفال الرابع: السياق التاريخي والقانوني للاتفاقات.
لا تفصيل واضح حول طبيعة اتفاق وقف النار، مدته، الجهات الضامنة، والآليات القانونية للشكوى من الخروقات. هذا يترك القارئ عائماً حول شرعية الادعاءات بخرق الاتفاق من كلا الجانبين.
الإغفال الخامس: تجنب المقارنات الشاملة. لم تُقارن منفذ واحدة بين عدد الانتهاكات الإسرائيلية والانتهاكات المنسوبة لحزب الله بشكل إحصائي واضح، رغم أن هذا سيعطي صورة أكثر توازناً.
الخلاصة: نحو فهم السردية المجزأة
الإعلام العربي في هذه الفترة لم يقدم روايات متنافسة عن صراع واحد، بل قدم حقائق موازية—أرقام مختلفة، أسباب مختلفة، أخلاقيات مختلفة، حتى وسائل مختلفة لوصف الفعل نفسه. هذا التشظي الإعلامي يعكس صراعاً أعمق على السيطرة على السردية، وليس اختلافات بريئة في التحرير الصحفي. المنفذ التي تختار "جيش العدو" بدلاً من "الجيش الإسرائيلي" تتخذ موقفاً سياسياً صريحاً. والمنفذ التي تختزل الخبر إلى سطر واحد دون سياق تختار غفلة سياسية فعلية. الحياد الحقيقي كان غائباً.